تُعدّ الخلايا السنخية من النوع الثاني (AT2) حديثة التكوين (باللون الأحمر) والخلايا السنخية من النوع الأول (AT1) (باللون الأخضر) ضرورية لإصلاح الرئة. حقوق الصورة: أنيكا أوتوفت، مختبر براونفيلد.
عندما تتضرر رئتا الإنسان، يعتمد بقاء هذا العضو على مجموعة صغيرة ولكنها فعّالة من الخلايا التي يجب أن تختار بين إصلاح الأنسجة أو مكافحة العدوى. كشفت دراسة جديدة أجرتها مايو كلينك عن “المفتاح” الجزيئي الذي يوجه هذه الخلايا نحو أحد المسارين، وهو اكتشاف قد يُسهم في تطوير علاجات تجديدية لأمراض الرئة المزمنة.
يقول الدكتور دوغلاس براونفيلد، المؤلف الرئيسي للدراسة المنشورة في مجلة Nature Communications: “لقد فوجئنا باكتشاف أن هذه الخلايا المتخصصة لا تستطيع القيام بالوظيفتين معًا. فبعضها يُكرّس جهوده لإعادة البناء، بينما يركز البعض الآخر على الدفاع. هذا التوزيع للعمل ضروري، ومن خلال الكشف عن المفتاح الذي يتحكم فيه، يُمكننا البدء في التفكير في كيفية استعادة التوازن عندما يختل في حالة المرض.”
يتطلب الأمر عنصرين
يركز البحث الجديد على خلايا الحويصلات الهوائية من النوع الثاني (AT2)، التي تؤدي دورًا مزدوجًا في الرئة. تفرز هذه الخلايا المكعبة الشكل بروتينات فعالة سطحية تُبقي الحويصلات الهوائية مفتوحة، كما تعمل كخلايا جذعية احتياطية قادرة على تجديد خلايا الحويصلات الهوائية من النوع الأول (AT1) – وهي خلايا رقيقة جدًا تُشكل سطح تبادل الغازات. هذه القدرة التجديدية تجعل خلايا AT2 ضرورية لإصلاح الرئة بعد الإصابة.
لعقود، عرف العلماء أن هذه الخلايا غالبًا ما تفشل في التجدد بشكل صحيح في أمراض الرئة مثل التليف الرئوي، ومرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، والعدوى الفيروسية الشديدة مثل كوفيد-19. لكن ما بقي غير واضح هو كيف تفقد خلايا AT2 قدرتها على التجدد كخلايا جذعية.
باستخدام تقنيات تسلسل الخلايا المفردة، والتصوير، ونماذج الإصابة قبل السريرية، رسم الفريق خريطة “تاريخ حياة” خلايا AT2 التطورية. ووجدوا أن خلايا AT2 حديثة التكوين تظل مرنة لمدة أسبوع إلى أسبوعين تقريبًا بعد الولادة قبل أن “تستقر” على هويتها المتخصصة.
يتم التحكم في هذا التوقيت بواسطة دائرة جزيئية تضم ثلاثة منظمات رئيسية تُسمى PRC2 وC/EBPα وDLK1. وقد أظهر الباحثون أن أحد هذه المنظمات، وهو C/EBPα، يعمل كعامل مُثبِّط لنشاط الخلايا الجذعية. في رئتي البالغين، يجب على خلايا AT2 إزالة هذا العامل المُثبِّط بعد الإصابة لتجديد نفسها.
كما يُوجِّه المفتاح الجزيئي نفسه ما إذا كانت خلايا AT2 تُرمِّم أنسجة الرئة أم تُدافع ضد العدوى. وهذا يُفسِّر سبب إبطاء العدوى في كثير من الأحيان للتعافي من أمراض الرئة.
يقول الدكتور براونفيلد: “عندما نفكر في ترميم الرئة، لا يقتصر الأمر على تنشيط بعض العمليات، بل يتعلق بإزالة العوامل المُثبِّطة التي تمنع هذه الخلايا عادةً من العمل كخلايا جذعية. لقد اكتشفنا أحد هذه العوامل المُثبِّطة وكيف يُنظِّم قدرة هذه الخلايا على الترميم”.
الوقاية من فشل الأعضاء
قد تُسهم هذه الاكتشافات في توجيه تطوير علاجات لإصلاح خلايا AT2 المُتضررة في الأمراض. فعلى سبيل المثال، قد تُعيد الأدوية التي تستهدف C/EBPα برامج الترميم أو تُقلِّل من التندُّج في التليف الرئوي.
يقول الدكتور براونفيلد: “يقربنا هذا البحث من تعزيز آليات الترميم الطبيعية للرئة، مما يمنحنا الأمل في الوقاية من الحالات المرضية أو عكس مسارها، حيث لا يمكننا حاليًا سوى إبطاء تطورها”.
وقد تُسهم هذه النتائج أيضًا في الكشف المبكر، مما يساعد الأطباء على تحديد متى تتوقف خلايا AT2 عن التجدد. ويمكن أن تُفضي هذه الرؤى إلى اكتشاف مؤشرات حيوية جديدة لأمراض الرئة. ويتماشى هذا العمل مع مبادرة “بريكيور” التابعة لمايو كلينك، والتي تركز على الكشف عن المرض في مراحله المبكرة – عندما تكون التدخلات أكثر فعالية – ومنع تطوره قبل حدوث فشل الأعضاء.
وفي الوقت نفسه، يُسهم هذا البحث في تطوير مبادرة “جينيسيس” التابعة لمايو كلينك، والتي تهدف إلى منع فشل الأعضاء واستعادة وظائفها من خلال الطب التجديدي. ويقوم الفريق حاليًا باختبار استراتيجيات لإزالة القيود التي تُعيق خلايا AT2 البشرية، وتوسيع نطاقها في المزارع الخلوية، واستخدامها المحتمل في العلاج باستبدال الخلايا.
